كيف تزكي نفسك في رمضان
الحمد لله الذي امتن علي عباده بمواسم الخيرات يضاعف لهم فيها الحسنات
وتمحي فيها السيئات وترفع فيها الدرجات، فله الفضل والمنة علي عباده بهذه النعم،
وله الحمد سبحانه وتعالي علي ما اعطانا من هذه العبادبات العظيمة التي يقوم بها
شان الدين وتزكوا بها النفوس وتتجه الي الخالق جل وعلا"
قد افلح منزكاها وقد خاب من دساها"
ولا شك ان تزكية النفس بالصيام من اعظم انواع التزكية، هذا الركن الركين من
اركان الاسلام والذي يظهر فيه من الاخلاص ولايوجد في غيره، ولذلك اصطفاه الله
تعالي من بين الاعمال وجعل جزاءه مضاعفا بل غير معلوم الا له سبحانه وتعالي فقال( الا الصوم فغنه لي وانا اجزي به)
من اجل ذلك اشرابت اعناق الصالحين الي هذا الشهر الكريم وتطلعت نفوسهم
لبلوغ هذا الموسم العظيم، كيف لا؟! وفيه
يسكبون العبرات ويدخلون علي الله من هذا الباب العظيم، فيطلبون منه الصفح عن
الزلات... فلا غرابة ان كان قدر هذه العابادة في النفوس معظما وان كان قدرها في
القلوب كبيرا.
ونحن نذكر بعض الوسائل والتوجيهات والتي تعين- باذن الله- علي تزكية النفس
في هذا الشهر الكريم لعل الله عز وجل ان ينفع بها كل من قراها فتكون عونا لنا علي
طاعة الله تعالي والفوز برضوانه ومغفرته في هذا الشهر الكريم،،، انه ولي ذلك
والقادر عليه
1- التوبة
والرجوع الي الله: فالتوبة شعور وجداني بالندم علي ما وقع، وتوجه الي الله
فيما بقي ، وكف عن الذنب والرجوع من معصية الله الي طاعته، لانه سبحانه وتعالي هو
المعبود حقا، وهي واجبة علي الفور، ولا يجوز تاخيرها ولا التسويف بها، قال تعالي (
وتوبوا الي الله جميعا ايها المؤمنون ولعلكم تفلحون)
"النور:31"
2- حفظ القلب: فهو راس الجوارح،
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول(.... الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله، واذا
فسجت فسد الجسد كله،ال وهي القلب) "رواه البخاري ومسلم" وعن انس
رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلي الله عليه
وسلم يكثر ان يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك...) "رواه
الترمذي وقال حديث حسن، وابن ماجة" فلا بد من حقظ القلب ويكون ذلك بتفريغه من
الشركيات المهلكة، والاعتقادات الباطلة، والوساوس السيئة،والنوايا الخبيثة،
والخطرات الموحشة، والامراض القاتلة كالكبر والعجب والغرور والحسد فهي امراض تحبط
الاعمال الصالحة.
3- حفظ اللسان: بترك فضول الكلام،
ففي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه
وسلم( من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذ جاره،
ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر
فليقل خيرا او ليصمت) " رواه البخاري ومسلم" فلابد من حفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والخوض
في اعراض الناس،والكذب والخوض في الباطل والكلام فيما لا يغني والكلام فيما لا
يفيد، والسب والشتم واللعن وقول الزور وسائر الشرور،فان اللسان يزرع بقوله في
الدنيا الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة مازرعه في الدنيا ان كان خيرا فخير وان
كان شرا فشر، فما احري بالمسلم ان يحفظ لسانه عما فيه هلكته وان يصون لسانه عما
فيه مورد حتفه، وجعل المجال الذي يستخدم فيه مجال الخير والاصلاح والدعوة الي الله
تعالي والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله تعالي من تسبيح وتحكيد وتهليل
وتكبير وسائر اعمال الخير.
4- حفظ البصر: وذلك بغضه عن
الحرام واغماضه عن الفحشاء، قال تعالي( قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظو ا فروجهم
ذلك ازكي لهم ان الله خبير بما يصنعون* وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن
فروجهن . . . )"النور31،30" فيحفظ المسلم بصره عن النظر الي
الافلام والمسلسلات والفوازير والسهرات المصحوبة بالزمر والطرب والكاسيات العاريات
الاتي اغضبن رب الارض والسماوات.
5- حفظ الاذن: عن سماع ما يغضب
الله عز وجل من الغناء والغيبة والفحش والبذاء وسائر المحرمات، والنصراف عنه الي
سماع كلام الحق سبحانه في القران الكريم ودروس العلم والمحاضرات النافعة قال
سبحانه وتعالي ( ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع
والبصر والفؤاد كل اوائك كان مسؤلا)" الاسراء:36" وقال تعلي
مادحا عباده الصالحين(واذا مرو بالغو مروا كراما)"الفرقان:
72" وقال تعلي ( واذا سمعو اللغو اعرضو عنه
وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم ولا نبتغي الجاهلين)"
القصص: 55".
6- حفظ البطن: كفضول الطعام
والشراب، والابتعاد عن اكل الحرام فلا تدخل في بطنك الربا، فاكل الربا محارب لله
ورسوله، ولا تاكل مال اليتيم ظلما وعدونا، قال تعالي(ان
الذين ياكلون اموال اليتامي ظلما انما ياكلون في بطونهم نار وسيصلون سعيرا)"النساء:10"
واعلم ان من ادخل الحرام في جوفه لا يستجاب له دعاء، فن ابي هريرة رضي الله قال:
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (ايها الناس ان
الله طيب لا يقبل الا طيبا، وان الله امر المؤمنين بما امر به المرسلين فقال:" يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما
تعملون عليم""البقرة:172" ثم ذكر الرجل يطيل السفر اشعث اغبر يمد يديه الي السماء،
يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسة حرام، وغذي بالحرام، فاني يستجاب
لذلك)"رواه مسلم"، واحذر من الاسراف في الطعام والشراب، فكثير من
المسلمين – وللاسف – يسرفون في تناول الوان الاطعمة والاشربة حتي ما يستطيع ان
يسجد في صلاة المغرب او الفجر وياليتهم سمعوا وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم،
حيث يقول موجها وناصحا ومعلما (ما ملا ادمي وعاء شرا من بطنهن بحسب ابن ادم اكلات يقمن
صلبه، فان كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)" رواه
الترمذي وصححه الالباني"
7- الحرص علي
صلاة الجماعة وادراك تكبيرة الاحرام: فقد قال رسول الله صلي الله
عليه وسلم (من صلي لله اربيعين يوما في جماعة يدرك
التكبيرة الاولي ، كتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق)"رواه
الترمذي وصححه الالباني" ومع ذلك نري البعض لا يدرك الصلاة مع الجماعة الا
وقد فاته ركعة او ركعتان او اكثر، وبعضهم تفوته الصلاة بالكلية، اما لانشغاله
بوجبة الافطار، او السحور، واما بحجة انه سهر اليل كاملا، وهذا تفريط عظيم في هذا
الشهر الكريم، فهو شهر التنافس في النوافل والمستحبات، فكيف يكون سببا للتفريط في
الواجبات؟!
8- المحافظة علي
السنن والرواتب: فالبعض يكتفي بالفرائض وحدها،وكم يحصل فيها من التقصير والسهو، فهذه
الصلاة بحاجة الي ما يملكها، وقد وعد النبي صلي الله عليه وسلم من حافظ عليها ببيت
في الجنة، فعن ام حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم
قول: ( ما من عبد يصلي لله تعال كل يوم ثنتي عشرة
ركعة تطوعا غير الفريضة الا بني الله له بيتا في الجنة)"رواه
مسلم" وهذه السنن هي: اربع قبل الظهر،واثنتان بعدها، وركعتان بعد المغرب،
وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الصبح.
9- الاكثار من
الصدقات في رمضان: فهو شهر الجود والصدقات، والاحساس الي الفقراء
والمساكين والمحتاجين، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:( كان النبي صلي الله عليه وسلم،اجود ما يكون في رمضان، حين
يلقاه جبريل يدارسه القران، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من شهر رمضان فيدرسه القران
فلرسول الله صلي الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل اجود بالخير من الريح المرسلة)"رواه
البخاري ومسلم" فعلينا ان نقتدي برسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم، فلنكثر
العطاء للفقراء والمساكين والمحتاجين في هذا الشهر الكريم.
10-
لاكثار من قراءة القران: فرمضان والقران
متلازمان، فاذا ذكر رمضان ذكر القران، قال تعالي(شهر
رمضان الذي انزل فيه القران هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان)"
البقرة:185" وكان السلف يكثرون من تلاوة القران في رمضان، فكان بعضهم يختم
القران في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر/ وكان قتادة – رحمه
الله – يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان ترك قراءة الحديث واقبل علي تلاوة القران
من المصحف، وكذلك كان الزهري – رحمه الله – وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري اذا
دخل رمضان ترك جميع العبادة واقبل علي تلاوة القران.
11-
تكثيف الطاعة في العشر الاواخر: فقد كان هدي نبينا
صلي الله عليه وسلم في هذه العشر ان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، فقد كان
يوقظ اهله فيها للصلاة والذكر، حرصا علي اغتنام الجر، لانها فرصة العمر، وغنيمة
لمن وفقه الله – عز وجل – فما هي الا ليالي معدودة ثم تنتهي، ربما يدرك فيها العبد
المسلم نفحة من نفحات المولي فتكون سببا لسعادته في الدنيا والاخرة، ففي الصحيحين
عن عائشة رضي الله عنها قالت( كان رسول الله صلي الله
عليه وسلم اذا دخلت العشر شد مئزره واحيا ليله، وايقظ اهله)" رواه
البخاري ومسلم" وفي هذه العشر ليلة القدر التي من قامها ايمانا واحتسبا، غفر
له ما تقدم من ذنبه . . ليلة واحدة تكون سببا لمغفرة الذنوب والسيئات، ويصبح العبد
كيوم ولدته امه – الله اكبر – ما اكرم الرب وما اجزل عطاءه، فهل من متعرض لهذه
النفحات وراغب فيما عنده سبحانه؟
والله من وراء القصد
وكتبه / صلاح عبد المعبود